محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
214
الآداب الشرعية والمنح المرعية
على قسمين مقتصد وسابق ، فالسابقون يختصون بالمستحبات ، والمقتصدون الأبرار هم عموم المؤمنين المستحقين للجنة ، ومن لم يكن من هؤلاء ولا هؤلاء فهو ظالم لنفسه ، انتهى كلامه . وقال ابن عقيل في الفنون : ما أخوفني أن أساكن معصية فتكون سببا في سقوط عملي وسقوط منزلة إن كانت عند الله تعالى بعد ما سمعت قوله تعالى : لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [ سورة الحجرات : الآية 2 ] . وهذا يدل على أن في بعض التسبب وسوء الأدب على الشريعة ما يحبط الأعمال ، ولا يشعر العامل إلى أنه عصيان ينتهي إلى رتبة الإحباط ، هذا يترك الفطن خائفا وجلا من الإقدام على المآثم ثم خوفا أن يكون تحتها من العقوبة ما يشاكل هذه - إلى أن قال - : أليس بيننا كتاب الله عز وجل وهو كلامه الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتزمل ويتدثر لنزوله ، والجن تنصت لاستماعه ، وأمر بالتأدب بقوله : فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا [ سورة الأعراف : الآية 204 ] . فعم كل قارىء وهذا موجود بيننا ؟ فلما أمرنا بالانصات إلى كلام مخلوق كان أمر الناس بالانصات إلى كلامه أولى . والقارئ يقرأ وأنتم معرضون ، وربما أصغيتم إلى النغمة استثارة للهوى ، فالله الله لا تنس الأدب ، فيما وجب عليك فيه حسن الأدب ، ما أخوفني أن يكون المصحف في بيتك وأنت مرتكب لنواهي الحق سبحانه فيه فتدخل تحت قوله : فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ [ سورة آل عمران : الآية 187 ] . فهجران الأوائل كلام الحق يوجب عليك ما أوجب عليهم من الإبعاد والمقت فقد نبهك على التأدب له من أدبك للوالدين ، والتأدب للأبوين يوجب التأدب لله عز وجل لأنه المبتدىء بالنعم ، فالله الله في إهمال ما وجب لله تعالى من الأدب عند تلاوة القرآن ، والانصات للفهم ، والنهضة للعمل بالحكم إيفعا للحقوق إذا وجبت ، وصبرا على أثقال التكاليف إذا حضرت ، وتلقيا بالتسليم للمصائب إذا نزلت ، وحشمة للحق سبحانه في كل أخذ وترك حيث نبهك على سبب الحشمة فقال : وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ [ سورة الحديد : الآية 3 ] . أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ سورة فصلت : الآية 53 ] . وقال ابن هبيرة كره السؤال بالقرآن لثلاث معان ( أحدها ) أن الناس يكرهون بالطبع سماع سؤال السائل فإذا أعرضوا عن القارئ الذي يسأل بالقرآن أعرضوا عن القرآن فيحملهم القارئ على أن يأثموا ( والثاني ) أنه ربما قرأ وهم معرضون عنه وقد أمروا بالانصات للقرآن فيعرضهم للإثم أيضا ( الثالث ) أن يأتي بأعز الأشياء فيستشفع به في أخسها . فصل والمروي عنه عليه الصلاة والسلام وعن أصحابه رضي الله عنهم عند سماعه إنما هو